أين القوى الأمنية؟!

أسلحة صيد موضوع

عبد الفتاح خطاب

لا يكاد يخلو يوم من الحوادث الأمنية، ولا يمرّ يوم إلا ويتساءل فيه الناس، والسياسيون أيضاً: «أين القوى الأمنية»؟

هناك شقان للجواب، واحد يُدين أداء القوى الأمنية، والآخر يوفر لها الأعذار دون إعفائها من المسؤولية.

بداية، علينا أن لا ننسى أو نتجاهل أن ميليشيات الحرب الأهلية انتقلت إلى الأسلاك الأمنية والعسكرية، وزرعت فيها على مرّ الأيام بصماتها واخلاقياتها واسلوبها.

ومعلوم خضوع التشكيلات والترقيات إلى مفاهيم المحاصصات السياسية والمذهبية والمناطقية على حساب الأحقية والكفاءة.

وهناك تضارب صارخ في الصلاحيات، وعدم وجود تنسيق وتكامل بين هذه القوى العسكرية والأمنية، وعدم وجود الجهة المعنية المناسبة في المكان المناسب، فنجد مخابرات الجيش تلاحق سارقي السيّارات، والجمارك تُداهم مستودعات الأغذية الفاسدة، والأمن العام وأمن الدولة وشعبة المعلومات والشرطة البلدية تقوم بمهام قد لا تكون في صميم مهامها.

ناهيك عن فضائح العديد من المسؤولين والعناصر العسكرية والأمنيّة التي تزكم الأنفاس، ومنها ما وصل إلى القضاء والاتهام في مجالات الرشوة والتهريب والمخدرات والسلاح والدعارة والتزوير والمحسوبيات، وصولاً الى تلفيق التهم وتغطية المخالفات، ومروراً بحماية تجار وصرّافي السوق السوداء والعصابات، وغيرها من الجرائم والموبقات.

في المقابل اختطت الدولة على اختلاف العهود سياسات لحرمان الجيش والقوى الأمنية من التأهيل اللازم، وتحولت قضية العديد والعتاد إلى موضوع محاصصة.

لقد أصبحت المهام الأمنية المؤقتة المعهودة الى الجيش دائمة بحكم الواقع، سيّما وأن المهمة الرئيسية أضحت الحفاظ على الأمن الداخلي في جميع المناطق، وأن الجيش يُمارس هذا الدور منذ عقود طويلة. واضيفَ مؤخراً الى هذه المهام إحصاء اضرار انفجار مرفأ بيروت واستلام وتوزيع المساعدات الاغاثية على المتضررين والكشف على محتويات المستودعات واتلاف المواد الخطرة.

يعاني الجيش من نقص في العدة والعتاد والتجهيزات، ومن عدم وضوح القرار السياسي بدعمه في نطاق تطبيق مهامه الأمنية. ويعاني من انتشار جنوده على امتداد الوطن بحدوده ومدنه وقراه وشوارعه وأزقته. ويعاني أيضاً من الاستنفار المستمر على مدى الساعة منذ سنوات طويلة، دون توقف أو راحة، ومن الإرهاق الجسدي والنفسي الذي طال عناصره بسبب ذلك، عدا عن الأخطار المُحدقة بهم، والإصابات التي تلحق بهم بما فيها شرف التضحية والاستشهاد. ومع ذلك تم الغاء التدبير رقم 3 (تعويض الاستنفار للعسكريين)، وصولاً الى حذف اللحمة من طعام الجيش!

كما أصبحت علاقة الجيش مع السياسيين تشبه حكاية إبريق الزيت التي لا تنتهي.

كلما وقع حادث يصدح السياسيون بشعارات التضامن مع الجيش، ويعلنون رفع الغطاء السياسي عن المرتكبين، ويشددون على نشر الجيش، ويحثّون قواه على التصرف بمنتهى الحزم.

ليس هذا فحسب بل يطالبون بإمداد الجيش بالسلاح والتجهيزات والعتاد والعديد اللازمين لتأدية مهامه، ويتمنون على الدول العربية والغربية تقديم المساعدات في هذا المجال.

كما يدفع هؤلاء السياسيون أنصارهم للتعبير عن مؤازرة الجيش، فتصدر البيانات والتصريحات، وتقام اللقاءات والندوات والمهرجانات، وتنتشر اليافطات والصور العملاقة.

لكن في كل مرّة يتمخض الجبل فيلد فأراً، وتبقى الأمور على حالها!

من جهة أخرى نجد البعض الآخر من السياسيين يتهمون مؤسسة الجيش بالانحياز إلى الطرف المناؤى لهم، فيهيّجون النفوس ضدّه، ويغمزون من قناته، ويحرّضون عليه، ويشهّرون بقياداته ويترصدونها في كل صغيرة وكبيرة.

فما هي حقيقة الأمور؟ هل يُطالب السياسيون بنشر الجيش (انتشاره)، أم يسعون إلى نشر الجيش (قطعه بالمنشار)؟

ومهزلة المهازل ان جمعية مصارف لبنان (تمثّل 62 مصرفاً وأكثر من 1100 فرع) «تبرعت» عام 2017 للجيش بمبلغ 15 مليار ليرة (اقل من 10 مليون دولار) لسدّ النقص في العدّة والعتاد والتجهيزات، وهو العام ذاته الذي استفادت المصارف فيه من «الهندسة المالية» مما أدى إلى حصولها على أرباح استثنائية تجاوزت الـ 4.2 مليارات دولار، وشكّلت ضعفَيْ أرباحها السنوية!

اليوم تتحكم المصارف براتب الجندي والشرطي والدركي ومع ذلك تُطالبه بحمايتها. يا للوقاحة!

كما أعلنت وزارة الاتصالات أنها حوّلت حوالي 400 مليون ليرة (391,551,090 ل.ل) من شركتي ألفا وتاتش عبر الرّسائل النّصية القصيرة SMS بإطار حملة أطلقت في شهر آب عام 2014 بعنوان «رسالتك القصيرة بتدعم رسالتن الطويلة»، وتساهم كلّ رسالة نَصيّة قصيرة بدولار واحد للجيش.

لماذا لم تصل التبرعات إلى الجيش فوراً في حينه، ولماذا تم التحويل بعد ستة سنوات؟ وما هو مجموع التبرعات بالدولار، وعلى أي سعر صرف تم احتسابها؟ وهل كانت مودعة في حساب الشركتين وراكمتا فوائد مصرفية؟

السؤال ليس اين القوى الأمنيّة؟ بل أين الدولة برمّتها؟!

error: Content is protected !!